في وطنٍ أنهكته الانقسامات، ليست الوحدة الوطنية مجرّد شعار، ولا السلم الأهلي مجرّد حالة من الهدوء؛ إنهما مسؤولية مشتركة، وشرط أساسي لبناء دولة تحمي أبناءها وتصون مستقبلهم.
لبنان ليس مجرّد مساحة جغرافية تجمع طوائف ومناطق مختلفة، بل وطنٌ صنعته تجارب مشتركة، وتضحيات متراكمة، وآمال أجيال أرادت له أن يكون مساحةً للحرية والكرامة والعيش المشترك. وعلى الرغم من عمق الخلافات السياسية والاجتماعية، يبقى اللبنانيون شركاء في المصير، تجمعهم الأرض نفسها، وتواجههم التحديات نفسها، ويجمعهم حقّ واحد في مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة.
إنّ قوة لبنان لا تكمن في أن يتشابه أبناؤه في آرائهم ومعتقداتهم، بل في قدرتهم على الاختلاف من دون أن يتحوّل اختلافهم إلى عداوة. فالوحدة الوطنية لا تعني إلغاء الخصوصيات، بل احترامها ضمن إطار المواطنة المتساوية، حيث لا يشعر أحد بأنّ انتماءه سببٌ لإلغائه ، ولا يعتقد أحد أنّ اختلافه يمنحه حقّ الانتقاص من الآخرين.
إنّ الحفاظ على السلم الأهلي ليس مسؤولية الدولة وحدها، ولا واجب القيادات السياسية فقط؛ بل هو مسؤولية كل مواطن، في بيته وجامعته ومكان عمله، وفي كل كلمة يكتبها أو موقف يتّخذه. فالكلمات قد تُطفئ خلافًا، وقد تشعل فتنة، والشائعات قد تهدم في ساعات ما يحتاج ترميمه إلى سنوات من الثقة والتفاهم.
ولا يعني السلم الأهلي السكوت عن الأخطاء أو التنازل عن الحقوق، بل يعني المطالبة بها بوسائل مسؤولة، والاحتكام إلى القانون والمؤسسات، ورفض العنف والتحريض والتخوين. فالدولة القوية هي التي تتيح لمواطنيها التعبير عن آرائهم بحرية، وتحمي حقوقهم بالعدل، وتضمن ألّا تتحوّل الخلافات إلى تهديد لأمن المجتمع ووحدته.
حين تتقدّم العصبية على العقل، يصبح الإنسان أسيرًا لانتمائه الضيّق، فيرى في المختلف خصمًا قبل أن يراه مواطنًا، وفي الرأي الآخر تهديدًا بدل أن يراه فرصةً للفهم. وهنا يبدأ الخطر الحقيقي: حين تتراجع الثقة بين الناس، وتصبح الهويّات المتعدّدة حواجز تفصل بينهم بدل أن تكون جزءًا من غنى المجتمع اللبناني.
لا يمكن بناء وطن مستقرّ على منطق الغلبة أو الإلغاء ، ولا يمكن حماية مستقبل الأجيال بتغذية الأحقاد القديمة. إنّ ما يحتاجه لبنان هو ثقافة مواطنة تجعل كرامة الإنسان وحقوقه فوق الحسابات الضيّقة، وترفض أن يُحاكَم أيّ شخص بسبب طائفته أو منطقته أو موقفه السياسي. فالمعيار العادل هو القانون، والميزان الصحيح هو المساواة، والانتماء الأسمى هو الانتماء إلى الوطن.
قد تتباعد المواقف، وقد تتعارض المصالح، لكنّ الأوطان لا تُدار بالصراخ، ولا تُحمى بالتخوين، ولا تُبنى بإغلاق أبواب التواصل. الحوار الهادئ ليس تنازلًا عن المبادئ، بل دليل ثقة بالنفس واحترام للآخر، وقدرة على البحث عن حلول تحفظ الحقوق وتمنع تفاقم الأزمات.
ويحتاج لبنان إلى حوار صريح ومسؤول، لا يكتفي بتبادل المواقف، بل يسعى إلى معالجة أسباب الخلاف، ويستمع إلى مخاوف الناس، ويضع المصلحة الوطنية فوق المكاسب الشخصية . كما يحتاج إلى خطاب سياسي وإعلامي يخفّف التوتر بدل تأجيجه، وإلى قيادات تدرك أنّ المسؤولية الحقيقية لا تُقاس بقدرتها على تعبئة الجمهور ضدّ بعضه، بل بقدرتها على جمع اللبنانيين حول حلول واقعية.
فليس مطلوبًا من اللبنانيين أن يتّفقوا على كل شيء، بل أن يتّفقوا على ألّا يسمحوا لخلافاتهم بتدمير ما يجمعهم، وأن تبقى أبواب التفاهم مفتوحة مهما اشتدّ التباعد.
إنّ مستقبل لبنان لا يُصنع باستعادة انقسامات الماضي، بل بتحويل دروسه إلى فرصة لبناء دولة أكثر عدلًا، ومجتمع أكثر تماسكًا، وعلاقة أكثر ثقة بين المواطنين ومؤسساتهم. وهذا يتطلّب تعليم الأجيال الجديدة ثقافة الحوار، وتعزيز احترام القانون، وفتح المجال أمام الشباب للمشاركة في الحياة العامة بعيدًا عن التحريض والتعصّب.
قد يختلف اللبنانيون في السياسة، وفي الرؤى، وفي الخيارات، لكنّهم لا يستطيعون تغيير حقيقة أنّ مستقبلهم مشترك، وأنّ أيّ انهيار في السلم الأهلي لن يستثني أحدًا، وأنّ أيّ تقدّم نحو الاستقرار سيعود بالنفع على الجميع.
لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الجدران بين أبنائه، بل إلى جسور من الثقة؛ لا يحتاج إلى أصوات تُوسّع الهوّة، بل إلى عقول تُقرّب المسافات؛ ولا يحتاج إلى انتصار فريق على آخر بقدر ما يحتاج إلى انتصار القانون والعدالة والمصلحة الوطنية.
فالوحدة ليست أن نتشابه، بل أن نحترم اختلافنا. والسلم الأهلي ليس أن نصمت عن خلافاتنا، بل أن نعالجها بالحوار والعدالة. أمّا الوطن، فلا يحميه أبناؤه حين ينتصرون بعضهم على بعض، بل حين يدركون أنّ انتصار لبنان هو الانتصار الذي يستحقّه الجميع.
راشد شاتيلا