انتخابات الجنوب اللبناني.. دروس “الثنائي” وعِبره.. بقلم مهدي عقيل
تاريخ النشر : 19-05-2022
انتخابات 2022 لم تأتِ على الجنوب كسابقاتها، ثمة دروس وعبر لا بدّ أخذها في الاعتبار، فالجنوب الذي اعتاد على لوائح "الثنائي" تتلقى التهاني، قبيل موعد الانتخابات، وجد هذه المرّة ما لم يكن بحسبان أهل الحل والعقد فيه.

لعل “الثنائي” (حزب الله وحركة أمل) كان الأكثر إرتياحاً إلى نتائج الإنتخابات قبل أن تجري. لا حاجة إلى دعاية انتخابية، فما مارسه الخصوم، ولا سيما القوات اللبنانية، من شحن سياسي، كان كافياً لدفع جمهور “الثنائي” إلى انتخاب مرشحيه، برغم كم الملاحظات على بعض الأسماء المرشحة، سواء لناحية قلة الكفاءة أو إنعدام نظافة الكف. لكن الأمر قد مرّ على السواد الأعظم من الجمهور الشيعي الذي لديه فائض إيمان بفكرة المقاومة وسلاحها يطفو ويتعالى عن الكثير من التفاصيل التي يمكن التوقف عندها. وعليه، انتخب الجمهور الشيعي الجنوبي العنوان الاستراتيجي، لكنه حتماً لم ينتخب أداء “الثنائي” في ما نحن عليه اليوم، فهو لم يكن فقط مُقصّراً بل شريكاً كاملاً.

خطاب “أمل” و”حزب الله” قَبِلَ به الجمهور الشيعي بشق النفس وببونات البنزين وتوزيع المال العلني في بعض القرى، لكن “الثنائي” لم يلتفت إلى أمزجة باقي المذاهب والطوائف في الجنوب ولا إلى دراسات وإحصاءات كانت تقدم إشارات دالة حول أمزجة متغيرة في بعض البيئات. إختار “الثنائي” مرشحي تلك الطوائف على منوال اختياره مرشحيه من الطائفة الشيعية. وهنا كانت الطامة الكبرى التي خسّرته مقعدين نيابيين، كان يمكن كسبهما لو أحسن الاختيار.

في الجنوب الثالثة، اختار “الثنائي” النائب السابق أسعد حردان مرشحاً عن الأرثوذكس، كممثل للحزب القومي السوري الاجتماعي الذي لفظه، إلا أنه ظل مرشحاً رغماً عن أنف قيادة الروشة، وهو الذي تضاءلت شعبيته كثيراً، فمن لا يُرضي قاعدته الحزبية كيف له أن يرضي من هو خارج حزبه، فسقوطه لم يكن مستغرباً، وهذا خطأ يسجل على “الثنائي”.

أما الخطأ الثاني، فقد تمثل باختيار المصرفي مروان خير الدين عن المقعد الدرزي في حاصبيا، في الوقت الذي قامت فيه ثورة 17 تشرين بالدرجة الأولى ضد المصارف التي إحتجزت ودائع اللبنانيين وبددتها، على اعتبار أنه يمثل عنصر تقاطع بين البيئتين الجنبلاطية واليزبكية، وبالتالي كان هذا السقوط الكبير، ولم تكن البيئة الشيعية بعيدة عن التصويت الإعتراضي (12 ألف صوت شيعي نالتها لائحة المعارضة، فضلا عن حوالي الألف صوت للائحة منسحبة وحوالي الثلاثة آلاف ورقة بيضاء معظمها لناخبين شيعة).

وفي الجنوب الأولى، كانت معظم الدراسات تشير إلى أن النائب إبراهيم عازار باتت حظوظه بالفوز ضعيفة، حيث تشير إلى أنه بحاجة إلى 4000 صوت مسيحي مع الأصوات الشيعية المؤيدة له، في الوقت الذي لا يمكنه الحصول على أكثر من 2500 صوت مسيحي، هذا عدا عن امتعاض قرى جزين الشيعية منه، التي نادراً ما زارها ووقف عند مطالب أهلها طيلة فترة ولايته النيابية. ويتحمل حليفا حزب الله مسؤولية تشتيت الأصوات على لائحتين في جزين، ناهيك عن الحروب الداخلية داخل التيار الوطني الحر. زدْ على ذلك التعامل الفوقي مع قيادات صيداوية كانت وستبقى مؤيدة للمقاومة مثل أسامة سعد وعبد الرحمن البزري.

ولعل دائرة الجنوب الثانية (صور – الزهراني)، هي الدائرة الوحيدة التي نجحت فيها لائحة “الثنائي” دون أن يتسنى لأي من اللوائح الأخرى خرقها، ولكن هذا لا يعني أن يطمئن “الثنائي” إلى النتيجة، بل عليه أن يراجع النتائج بدقة للوقوف على كل المعطيات التي أفرزتها الانتخابات. بمعنى أوضح، قراءة وضع النائب ميشال موسى وقوته التجييرية، حتى لا يصيبه ما أصاب غيره في الانتخابات اللاحقة عام 2026.

في المحصلة، ثمة مهمة صعبة تنتظر “الثنائي”، تبدأ أولاً بإجراء مراجعة للخطاب وآلية إختيار الأسماء سواء من الطوائف الأخرى أو من الطائفة الشيعية. ولا بد من مراعاة عنصر الشباب الذي يتوق إلى التغيير، وقد لاحظنا أن أكثر الأصوات التي ذهبت إلى مرشحي المجموعات التغيرية في مختلف الدوائر على صعيد لبنان، أتت من الفئة العمرية 21-45 سنة. صار لزاماً على “الثنائي” أن يضع أولوية صياغة خطة استراتيجية تعالج الانهيار الإقتصادي والمالي وإن استدعى ذلك بعض التنازلات، فلبنان بلد التسويات والتوافقات وسيبقى كذلك.

وثمة أخطاء ساهم فيها “الثنائي” في ما خص قانون الانتخابات، وبالتحديد عدم اعتماد الدائرة 16 للمغتربين، بدل أن يقترع هؤلاء للدوائر الـ15 المعتمدة للمقيمين، لكن الثقة بالنفس الزائدة كانت قد ساهمت في خسارة “الثنائي” عدداً من المقاعد، بعد أن أشاعوا بأنهم سوف يحصدون الأكثرية، وإنهم قد يتخطون رقم الـ 72 نائباً، ولكن للأسف لم تأتِ حسابات حقلهم مطابقة لحسابات بيدر الانتخابات.

مهدي عقيل

   

اخر الاخبار