نص الحوار الكامل مع سفيرة لبنان في كوت ديفوار ماجدة كركي
بمناسبة الذكرى الـ82 لاستقلال لبنان، أجرى موقع ياصور لقاءً خاصًا مع سعادة سفيرة لبنان لدى جمهورية كوت ديفوار، الأستاذة ماجدة كركي، في أول حوار صحفي لها بعد تقديم أوراق اعتمادها رسميًا إلى فخامة رئيس الجمهورية العاجي، السيد الحسن وتارا. في هذه المناسبة الوطنية العزيزة على قلوب اللبنانيين في الوطن والمهجر، نتوقف مع سعادتها لتسليط الضوء على أجواء الاستقلال في أبيدجان، وعلى الرسالة التي توجهها إلى أبناء الجالية اللبنانية في هذه المحطة المفصلية، بالإضافة إلى الحديث عن نتائج اللقاءات الرسمية التي عقدتها مع كبار المسؤولين العاجيين، وفي مقدمتهم نائب رئيس الجمهورية السيد تييموكو ميليت كوني، ومسؤولو المؤسسات الاقتصادية والدبلوماسية، وذلك بهدف توطيد العلاقات الثنائية وتعزيز التعاون بين البلدين. حوار يفتح الآفاق حول دور السفارة، والتحديات، والطموحات في المرحلة المقبلة.
١- ما هو السبب وراء عدم إقامة حفل الاستقبال السنوي بمناسبة عيد الاستقلال اللبناني هذا العام في بيت لبنان كما جرت العادة؟
في البداية، أود أن أتوجه بأحر التهاني إلى اللبنانيين المقيمين في ساحل العاج بمناسبة الذكرى الـ82 لاستقلال لبنان، هذه المناسبة العزيزة جداً على قلوبنا جميعًا. صحيح أننا لم نقم هذا العام بحفل الاستقبال الرسمي الذي اعتدنا عليه في بيت لبنان ، والسبب يعود إلى الظرف الأليم الذي يمر به وطننا الحبيب. لبنان يعيش أوضاعًا مأساوية نتيجة العدوان المستمرّ والمتمادي على لبنان عمومًا والجنوب خصوصًا، وهو ما زال مستمرًا رغم الإعلان عن اتفاق لوقف الأعمال العدائية، إذ يتواصل القصف والتدمير اليومي على الأراضي اللبنانية. هذا الواقع يجعلنا نحتفل بذكرى الاستقلال هذا العام بطابع من الحزن، ونستذكر فيه شهداءنا الأبطال الذين ضحّوا بأرواحهم دفاعًا عن الوطن، كما نحيي الشهداء الأحياء الذين فقدوا منازلهم وأرزاقهم ولكنهم لم يخضعوا للغطرسة الإسرائيلية. فالشعب اللبناني، وعلى مدى آلاف السنين، لم يركع لظالم ولا لمحتل، وهو أكثر تمسكًا اليوم بأرضه وهويته واستقلاله. أما هنا في أبيدجان، فإن الجالية اللبنانية، وخاصة أبناء الجنوب منهم، يعيشون هذه الذكرى الوطنية بوجدان عميق، فهم رغم اندماجهم في المجتمع الإيفواري، لا ينسون جذورهم ولا يترددون في العودة إلى قراهم وأهلهم كلما سنحت الفرصة. هذا الارتباط العاطفي والوطني يجعلنا نحرص على الوقوف معهم في هذه اللحظات، ومشاطرتهم الشعور العميق بالمسؤولية والانتماء. لذلك، ورغم عدم إقامة الاحتفال الرسمي، لم نغفل عن إحياء الذكرى في قلوبنا وعقولنا، بل جعلنا منها محطة تأمل ووحدة وتضامن مع أهلنا الصامدين في لبنان، وإصرار على الاستمرار في النضال حتى ينعم وطننا بالأمن والسلام.
٢- سعادة السفيرة، ما الذي تغيّر في طبيعة مهامكم بعد الانتقال من موقع القائم بالأعمال إلى منصب سفيرة فوق العادة ومطلقة الصلاحية للجمهورية اللبنانية في كوت ديفوار؟ وهل لذلك أثر على طبيعة العمل الدبلوماسي بين البلدين؟
بالطبع، لقد كان لي شرف تمثيل لبنان كقائم بالأعمال لمدة ثلاث سنوات، ثم تم تعييني سفيرة فوق العادة ومطلقة الصلاحية، وقدمت أوراق اعتمادي إلى فخامة رئيس الجمهورية العاجية السيد الحسن وتارا بتاريخ 16 أيلول 2025. هذه المرحلة شكّلت فرصة لي للتعرّف أكثر على البلد، وعلى الجالية اللبنانية فيه، ما يسهم في تسهيل مهمتي الدبلوماسية. بطبيعة الحال، دور السفارة لا يتغيّر من حيث جوهره، سواء كنتُ قائمة بالأعمال أو سفيرة، لكن ما يختلف هو مستوى التمثيل الرسمي. فعندما تقوم الدولة اللبنانية برفع مستوى تمثيلها إلى سفير، فهذا يعكس مدى اهتمامها وحرصها على تعميق العلاقات الثنائية مع الدولة المضيفة، وتحديداً مع بلد مثل كوت ديفوار، الذي تجمعنا به روابط تاريخية عميقة. الجالية اللبنانية في كوت ديفوار موجودة منذ أواخر القرن التاسع عشر، وهي جالية أصيلة ومندمجة، وعلاقاتنا مع الشعب العاجي تسبق حتى نشوء دولة لبنان واستقلاله. لذلك فإن تعيين سفير يُعتبر تأكيداً إضافياً على متانة العلاقة بين البلدين، وتقديراً لمواقف كوت ديفوار التي احتضنت اللبنانيين في أصعب الظروف. من هنا، نسعى إلى تكثيف التعاون والتواصل مع السلطات والشعب العاجي، عبر عمل السفارة، وأيضاً من خلال المؤسسات التي تمثل الجالية، كفرع الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم، وغرفة التجارة والصناعة اللبنانية في كوت ديفوار. ٣- سعادة السفيرة ماجدة كركي، كيف ترون دور السفارة في العلاقة بين الجالية اللبنانية والدولة العاجية؟ الجالية اللبنانية في كوت ديفوار وُجدت قبل تأسيس السفارة نفسها، ولم تقصّر يومًا في دورها داخل هذا البلد. ما يمكن أن تضيفه السفارة اليوم هو توحيد الجهود وتكثيفها، لكي تعكس الحجم الحقيقي لنشاط وديناميكية ومساهمة هذه الجالية في تنمية كوت ديفوار على المستويين الاقتصادي والاجتماعي. من هنا، يأتي دور السفارة في الإشراف، التوجيه، والمواكبة، لا سيما مواكبة الجالية وطاقاتها، والعمل على توجيه هذه الإمكانيات بالشكل الذي يجعلها ركيزة أساسية في تعزيز التعاون الثنائي بين لبنان وكوت ديفوار. فالعلاقات بين الدول لا تقتصر فقط على الأبعاد السياسية أو الرسمية. صحيح أن السفارة تضطلع بمهام دبلوماسية لتمثيل لبنان ونقل مواقفه وتعزيز التعاون المؤسساتي بين البلدين، لكن هناك أيضًا بُعداً إنسانياً واجتماعياً بالغ الأهمية، يتمثل في دعم الجالية، وتثبيت دورها، وتظهير إسهاماتها بما يعكس صورة لبنان المشرقة. وجودنا كجالية هو وجود راسخ ومؤثر، ودور السفارة هو أن تواكب هذا الوجود وأن تعمل على تنسيقه وتفعيله ليكون ظاهراً وأكثر تأثيراً.
٤- كيف تتعامل السفارة مع بعض التحديات التي تبرز أحيانًا على وسائل التواصل الاجتماعي، خاصةً عندما تمسّ بصورة الجالية اللبنانية؟
نحن هنا نتحدث عن الجانب الدبلوماسي والسياسي التمثيلي المتعلق برعاية مصالح الجالية اللبنانية، وهو من صلب الدور الذي تقوم به السفارة. انطلاقًا من هذا الدور، بادرتُ بالتواصل مع السلطات العاجية، وطلبتُ أكثر من موعد، وعقدت عدة لقاءات، بعضها ظهر في الإعلام وبعضها الآخر لم يُعلن، بهدف الحفاظ على هذا التواصل الحيوي مع الدولة المضيفة. في الحقيقة، نحن نعيش في عصر جديد، مختلف تمامًا عما كان عليه قبل خمس سنوات مثلاً. لم تكن هناك "سوشيال ميديا" بهذا الزخم، لا تيك توك ولا إنستغرام، ولم يكن بوسع أي شخص أن يخرج ليتحدث بأي شيء وكأنه حقيقة أو رأي يمثل الأغلبية. هناك الكثير من المعلومات المغلوطة أو التي تُطلق بهدف الاستفزاز وزرع الفتنة. لكننا نعلم أن من قيم الدولة العاجية الأساسية حرصها على الاستقرار، والسلم الأهلي، واللحمة الاجتماعية. حتى أنها أنشأت وزارة خاصة بـ"التماسك الاجتماعي". ومن هنا، فإن موقفنا كسفارة متناغم مع توجهات هذه الدولة، ونحن نلجأ إلى القنوات الرسمية لمعالجة أي تجاوزات أو مغالطات تمس بالجالية. وحين نرصد افتراءات أو محاولات لتشويه صورة الجالية عبر وسائل التواصل، نتحرك فورًا بما تمليه علينا مسؤولياتنا، وننقل الهواجس إلى السلطات المختصة. بعض الأشخاص قد يكون لديهم دوافع شخصية أو مادية أو حتى سعي للشهرة، فيطلقون تصريحات استفزازية. ومن هنا، أوجه نداءً إلى أبناء الجالية الكريمة: لا تتفاعلوا مع هذه المواد المستفزة، لا تتداولوها، ولا تردّوا عليها. أفضل وسيلة للرد على من يحاول زرع الفتنة هي التجاهل التام. وثقوا أننا نتابع الأمور عن كثب، ونقوم بما يلزم في الوقت المناسب، وبما يحفظ كرامة الجالية ومصالحها. كونوا على قدر هذه المسؤولية. فأنتم، من خلال تصرفاتكم اليومية، إما تساندونني في مهمتي، أو تصعّبونها. وأنا واثقة أنكم أهل لهذه الرسالة، وقادرون على تمثيل لبنان بأفضل صورة.
٥- كيف ترون الدور الذي تلعبه الجالية اللبنانية في جهود التنمية في كوت ديفوار، وما هي الرسالة التي توجّهونها لها؟
أود أولاً أن أحيي أبناء الجالية اللبنانية الكرام، وأشدد على أهمية احترام أصول الضيافة في بلد كريم مثل كوت ديفوار، هذا البلد الذي يحتضننا ويقدّر قيمة الجالية اللبنانية العاملة والدؤوبة، التي تُسهم بفعالية في تطويره. أنا فخورة جداً بأن العديد من الإنجازات والمشاريع البارزة في كوت ديفوار تقف خلفها أيادٍ لبنانية. ولمستُ يوميًا الأثر الإيجابي لنشاطات الجالية على الحياة اليومية، سواء بالنسبة للمواطنين العاجيين أو لغيرهم من المقيمين. وهذا مصدر فخر كبير لنا جميعًا، وهو ما يميز اللبناني أينما وجد. نحن شعب يبني، يمد الجسور، يعيش بسلام وانفتاح مع الآخر. ولهذا أطلب من كل فرد في الجالية أن يحرص، من موقعه، على احترام ثقافة وتقاليد البلد المضيف، تمامًا كما نحب نحن أن يُحترم بلدنا حين نستقبل ضيوفًا فيه. كل فرد منكم، بسلوكه، بتعامله، بطريقته في الحياة، سواء في العمل، في أماكن العبادة، أو في علاقاته الاجتماعية، يعكس صورة لبنان. كل واحد منكم هو سفير، ليس فقط ممثلًا لبلده، بل شريك حقيقي في تشكيل الانطباع العام عن الجالية وعن وطننا.
٦- هل لمستم من المسؤولين أو الفعاليات العاجية تقديرًا للدور الذي تؤديه الجالية اللبنانية في كوت ديفوار؟
بالتأكيد. في كل لقاءاتي مع المسؤولين العاجيين، هناك دائمًا تشديد واضح على متانة العلاقات الثنائية المتميزة بين لبنان وساحل العاج. وهذا ما يتم التعبير عنه مرارًا، إلى جانب الإشادة المتكررة بالدور الإيجابي والبنّاء الذي تؤديه الجالية اللبنانية في هذا البلد. المسؤولون العاجيون يعترفون علنًا بأن للجالية اللبنانية قيمة مضافة حقيقية في تنمية كوت ديفوار وتطوره الاقتصادي والاجتماعي، وهو أمر نعتز ونفتخر به. وفي كل مرة تحدث فيها حملات مسيئة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يؤكد لنا المعنيون في الدولة العاجية أن هذه الحملات لا تمثلهم لا رسميًا ولا شعبيًا، وأنها غالبًا ما تكون صادرة من خارج البلاد، ومن أطراف لا تدرك عمق الوجود اللبناني في كوت ديفوار ولا تاريخه العريق. بناءً على ذلك، نكرر ونؤكد على أبناء الجالية اللبنانية الكريمة ضرورة عدم الانجرار خلف هذه الحملات، وعدم الرد أو التفاعل مع المهاترات عبر المنصات الرقمية. من يتكلم عليه أن يتحمل مسؤولية كلامه، ونحن كسفارة نتابع كل ما يجب متابعته ونتصرف بما يليق وبما تمليه علينا مسؤولياتنا.
٧- كلمة اخيرة لسعادة السفيرة ماجدة كركي لأبناء الجالية اللبنانية في كوت ديفوار؟
أود أن أوجه كلمة خاصة إلى أبناء الجالية اللبنانية الكرام في كوت ديفوار ، وبالأخص المغتربين في ابيدجان الذين يمثلون جزءًا مهمًا من نسيج الجالية اللبنانية في كوت ديفوار. كما أتشرف بأن أمثل لبنان أيضًا في بوركينا فاسو والنيجر، مما يجعلني أكثر قربًا من همومكم واحتياجاتكم. في مناسبة عيد الاستقلال، أطلب منكم الحفاظ على عزيمتكم ونشاطكم والتزامكم تجاه لبنان. أنتم دائمًا كنتم عند مستوى التحديات، فأنتم أهل المصاعب والحالات الصعبة، وهذا ما عهدناه فيكم وننتظر أن تستمروا عليه. أؤكد لكم أن السفارة اللبنانية في كوت ديفوار مفتوحة دائمًا لخدمتكم، وأبوابها مفتوحة لأي منكم لديه أي هواجس أو طلبات. نسعى دائمًا إلى تعزيز العلاقة بين لبنان وهذه الأرض الطيبة، وأعدكم بأنه خلال السنوات القادمة، وحتى انتهاء مهمتي، سنعمل معكم بشكل مستمر على توطيد العلاقات مع سلطات وشعب كوت ديفوار. هذا العمل أساسي للحفاظ على وجود جالية قوية وموحدة، فبدون تعاونكم وتكاتفكم، لن نتمكن من تحقيق هذا الهدف. لذا، أهيب بكم الحفاظ على وحدتكم، فلا مكان للتفرقة أو التصنيف بينكم، فمثل هذه الانقسامات تسمح للأطراف المستغلة أن تخلق مشاكل تؤثر على مصالحنا المشتركة. نحن جالية لبنانية واحدة، وعلينا أن نكون موحدين في قوتنا واتحادنا، وأنا معكم دائمًا في كل خطوة. وأخيرًا، أود أن أغتنم هذه المناسبة لأشكر موظفي السفارة على جهودهم الكبيرة والمخلصة في تنظيم العمل وإنجاز المعاملات بسرعة وفعالية، سواء خلال الدوام الرسمي أو خارجه. جهودهم هذه تساهم بشكل كبير في دعم الجالية ونجاح عمل السفارة.
وفي ختام اللقاء، خصّت سعادة السفيرة الأستاذة ماجدة كركي موقع ياصور بكلمة شكر، فقالت أخص بالذكر موقع ياصور، مشكورًا على هذا اللقاء الذي أوضح الصورة، مع التمنيات بالمزيد من النجاح والتألق. شكرًا لكم جميعًا، وكل عام وأنتم بخير.