إلى أهلِ بلدتنا الكنيسة… حيث البيوت التي تسكن القلب قبل المكان… وحيث الشوق يكبر كلما طال الغياب…
إلى صور… مدينة البحر والصبر والانتظار… المدينة التي كلما ابتعدنا عنها اقتربت أكثر من أرواحنا…
إلى الجنوب… أرض الصمود والكرامة… الأرض التي نحملها في قلوبنا أينما كنّا… وتحملنا إليها الأشواق في كل يوم…
إلى كل من حمل وجع الأرض في قلبه… وحمل مفتاح بيته في حقيبة النزوح… ومضى يحمل الانتظار بصبر المؤمنين بالعودة…
يأتي عيد الأضحى المبارك هذا العام… ولا شيء يشبه الأعياد التي عرفناها يومًا.
فالعيد من دون بيتٍ يشبه حنينًا طويلًا لا يجد طريقه إلى الراحة.
يأتي العيد ونحن بعيدون عن بيوتنا… عن الشرفات التي تحفظ أصواتنا… وعن الطرقات التي كبرت معنا… وعن الساحات التي شهدت أفراحنا وأحاديثنا وضحكاتنا… وعن أرضٍ ما زالت تنادينا في كل صباح.
العيد ليس تاريخًا في الروزنامة…
العيد أهلٌ وأمان…
بيتٌ يجمعنا…
وجوهٌ نحبها…
وطمأنينة قلبٍ لا يعرف معنى الغياب.
وفي عيد الأضحى… تمضي قلوب المسلمين إلى حجاج بيت الله الحرام… وترتفع تكبيرات العيد في القرى والبلدات… وتُفتح البيوت لاستقبال الأحبة… ويتبادل الناس الزيارات والتهاني… وتمضي العائلات إلى من فقدوهم بالدعاء وقراءة الفاتحة وزيارة القبور…
أما نحن… فيأتي العيد هذا العام محمّلًا بالشوق… نفتقد تفاصيله التي كانت تصنع فرحته… ونشتاق إلى قرانا وبيوتنا… وإلى تلك اللحظات البسيطة التي كانت تمنح العيد معناه الجميل.
وكم هو موجع أن يأتي العيد ونحن نعدّ المسافات بيننا وبين بيوتنا… ونحمل الحنين كأنه وطنٌ صغير داخل أرواحنا.
وفي عيد الأضحى… عيد التضحية والصبر والإيمان… نزداد يقينًا أن الصبر مهما طال لا بد أن يثمر فرجًا… وأن الغياب مهما امتد لا بد أن ينتهي بلقاء.
نستودع الله بيوتًا تركناها قسرًا… ونوافذ ما زالت تنتظر عودتنا… وأرضًا ما بدّلتنا الأيام عنها حبًا ولا انتماءً.
يا أهلنا… يا من تعبتم وما انكسرتم… يا من واجهتم النزوح بالصبر… والخوف بالإيمان… والوجع بالأمل…
نعلم أن الأيام ثقيلة… وأن القلوب أنهكها الانتظار… وأن الحرب سرقت من أعمارنا الكثير… لكنها لم تستطع أن تنتزع منا حب الأرض… ولا الإيمان بأن العودة آتية مهما طال الطريق.
ونعرف أن للانتظار وجعًا لا يراه أحد… وأن للغربة عن البيت ألمًا لا يشبهه ألم… لكننا نحمل يقينًا لا يتعب… أن البيوت التي خرجنا منها قسرًا… سنعود إليها مرفوعي الرأس… حاملين معنا ما بقي من صبرنا… وما لم تستطع الأيام أن تأخذه من أرواحنا.
سنعود…
سنعود إلى الكنيسة…
إلى صور…
إلى الجنوب…
إلى البيوت التي تحفظ أسماءنا…
إلى الطرقات التي تعرف خطانا…
إلى الساحات التي تنتظر ضحكات الأطفال…
إلى اللقاءات التي اشتقنا إليها حدّ البكاء…
سنعود بإذن الله…
لأن الأرض لا تنسى أهلها…
ولأن الجنوب الذي صبر كثيرًا يستحق الحياة والطمأنينة والأمان.
وإن أبعدتنا الحرب عن بيوتنا… فلن تستطيع أن تُبعد الجنوب عن قلوبنا.
في عيد الأضحى المبارك… نسأل الله أن يجعل هذا العيد بابًا للفرج… وأن يحمل معه نهاية الوجع… وبداية العودة… وراحة القلوب التي تعبت كثيرًا.
رحم الله الشهداء …
وشفى الله الجرحى…
وحفظ الله من صبروا…
وأعادنا جميعًا إلى بيوتنا سالمين مطمئنين…
كل عام وأنتم بخير…
وكل عام والجنوب في القلب…
وكل عام ونحن أقرب إلى بيوتنا… وأقرب إلى أرضنا… وأقرب إلى العودة التي ننتظر.
أخوكم
المحامي وسيم منيف قليط