لم يعد المشهد السياسي اللبناني بحاجة إلى تحليلٍ عميق ليكشف عورته؛ فما يجري اليوم في أروقة واشنطن ليس مفاوضات دبلوماسية، بل هو "محفل استسلام" تُدار فيه عملية تفكيك ممنهجة لهيبة الدولة. إن السلطة اللبنانية، بأدائها الهزيل، تحولت إلى "موظف" ينفذ أجندة الخارج، مستبدلةً السيادة بوعودٍ واشنطن الواهية.
إن قراءة المفاوضات الحالية بمعزل عن العقد الماضي هي قراءة قاصرة. فالعدو الذي يبتسم اليوم خلف طاولات الحوار، هو ذاته الذي لم يتوقف منذ عقود عن محاولة تحويل الشريط الحدودي إلى "حزام أمني" عبر الاستثمار في الفوضى. لقد اعتمد الكيان الصهيوني استراتيجية "الإنهاك التدريجي"؛ فمن خلال الخروقات السيبرانية، واستهداف البنية الاقتصادية والأمنية، ومحاولات خلق شرخٍ اجتماعي بين اللبنانيين، سعى العدو دائماً لانتزاع بالتفاوض ما عجز عن تحقيقه في الميدان. إن أطماعه في ثرواتنا المائية والنفطية، ورغبته في تأمين مستوطناته على حساب أمننا، هي المحرك الحقيقي لكل "اتفاق" يُفرض اليوم، حيث يسعى لتحويل الهزيمة العسكرية الميدانية إلى انتصار سياسي يكرس هيمنته.
ما يُروج له تحت مسمى "المناطق التجريبية" ليس إلا عنواناً تجميلياً لاحتلالٍ مقنع. أن توافق سلطةٌ على تحويل أجزاء من ترابها الوطني إلى "مختبرات أمنية" تسيطر عليها القوات الدولية تحت إشراف العدو، هو اعترافٌ ضمني بالعجز عن حماية المواطنين. هذه ليست إستراتيجية دفاعية، بل هي "تطهير" للحدود بطلبٍ خارجي، وتحويل للدولة إلى حارس لأمن من استباح أرضنا لعقود.
المثير للغثيان أن هذه الطبقة السياسية، بدلاً من التمسك بأوراق قوتها، تقف في قاعة الانتظار تستجدي "الضوء الأخضر" الأميركي. لقد سقط قناع "القرار المستقل"، وباتت السلطة تقتات على وعودٍ، متجاهلةً أن كل تنازلٍ تقدمه يفتح شهية الاحتلال لمزيد من الإملاءات، فمن لا يملك القوة لفرض قراره، سيجد نفسه دوماً في قفص تنفيذ قرارات أعدائه.
في نهاية المطاف، سيظل الميدان أكبر من كل الأوراق التي يوقعها "سماسرة السياسة" في فنادق الخارج. تلك الأرض ليست مجرد جغرافيا قابلة للتقسيم، بل هي مدرسةٌ في الكرامة، رُويت بدم أجيالٍ لم تعرف الذل يوماً. إن العظمة ليست في الاتفاقات المذلة التي تنهي الحروب، بل في الإرادة الصلبة التي ترفض أن تُهزم.
لقد قدّم أهل الديار -رجالاً ونساءً وأطفالاً- تضحياتٍ تفوق قدرة السلطة على الاستيعاب؛ فهم من حطموا أسطورة "الجيش الذي لا يقهر" بصدورهم العارية. سيأتي يومٌ يدرك فيه الجميع أن أمن هذا الوطن لا يُشترى بقراراتٍ دولية هشة، بل يُصان بتلك السواعد التي حررت الأرض وأبت الخضوع. إن تضحيات هؤلاء الأحرار هي "صك السيادة" الحقيقي، وهي الحقيقة الوحيدة التي لن تستطيع أقلام السلطة، مهما بلغت في خيانتها، أن تشطبها من ذاكرة التاريخ؛ فهي الشوكة التي ستبقى في حلق كل من تسول له نفسه بيع كرامة الوطن في مزادات الاستسلام.
محمد احمد عجمي