""حين يلتقي وجعُ كربلاء بوجعِ النزوح""
يقترب مُحرَّم هذا العام مختلفًا…
ليس لأن الحزن أقلّ…
بل لأن الوجع أكبر…
في كل عام كنّا نستقبل أيام الحسين عليه السلام في بيوتنا وقرانا نرفع الرايات السود ونفتح المجالس وتنبض الحسينيات والطرقات بذكر أبي عبد الله الحسين عليه السلام.
أما هذا العام فيأتي محرّم والجنوب يعيش مشهدًا استثنائيًا تختلط فيه المشاعر.
فمنّا من عاد إلى بيته وقريته بعد أشهرٍ طويلة من النزوح والمعاناة يحمل فرحة اللقاء بالأرض والأهل ويحمد الله على نعمة العودة والسلامة.
ومنّا من لا يزال بعيدًا عن منزله ينتظر لحظة العودة ويعيش مرارة الغياب وشوق اللقاء.
العائدون فرحتهم ناقصة لأن أحبةً لهم ما زالوا بعيدين…
والبعيدون يحملون الجنوب معهم أينما كانوا…
في ذاكرتهم وفي دعائهم وفي حنينهم الذي لا يهدأ.
هذا العام لا نفتقد المجالس فحسب…
بل نفتقد وجوهًا كانت تملأ تلك المجالس إيمانًا ومحبةً ودفئًا.
نفتقد أحبةً غيّبتهم الحرب…
ونفتقد شهداءً كانوا بيننا في الأعوام الماضية فصاروا اليوم حاضرين في قلوبنا وذاكرتنا ودعائنا.
وفي كل ليلةٍ يُذكر فيها عطش الحسين عليه السلام نتذكّر عطش الأرض إلى أهلها…
وحين تُذكر غربة السيدة زينب عليها السلام نتذكّر غربة من لا يزال بعيدًا عن بيته وقريته…
وحين تُستعاد مشاهد الفقد في كربلاء نتذكّر شهداءنا الذين رحلوا قبل أن تكتمل فرحة العودة.
وفي هذا المحرّم…
لا نستذكر كربلاء بوصفها حادثةً من التاريخ فحسب بل نستحضرها مدرسةً في الصبر والثبات والتضحية.
ونستذكر شهداءنا الذين رووا بدمائهم الطاهرة أرض الجنوب فبقيت الأرض لأهلها وبقي الأمل حيًّا في القلوب.
فكم من عائدٍ إلى بيته عاد وهو يحمل في قلبه أسماء شهداء وأحبةٍ لم يعودوا معه…
وكم من بابٍ فُتح من جديد كان وراءه دمٌ طاهر وتضحيةٌ عظيمة.
لكن الحسين عليه السلام علّمنا أن الألم لا يهزم الإيمان…
وأن الغربة لا تُسقط الرسالة…
وأن أصحاب الحق قد يتعبون ويحزنون لكنهم لا يفقدون اليقين.
لذلك…
نبكي الحسين عليه السلام…
ونبكي شهداءنا…
ونبكي على كل وجعٍ مرّ بأهلنا…
لكننا لا نفقد الأمل.
فكما انتصر الدم على السيف…
وكما بقي صوت الحسين حيًّا عبر القرون…
سيبقى الجنوب صامدًا بأهله وشهدائه وأرضه…
وستكتمل العودة بإذن الله…
وتعود القرى لتنبض بأهلها…
وترتفع الرايات من جديد…
وتُفتح الحسينيات من جديد…
ويجتمع الأحبة من جديد.
وفي محرّم هذا العام…
قد تختلف أماكننا لكن قلوبنا تجتمع على حبّ الحسين عليه السلام وعلى الوفاء لشهدائنا وعلى الإيمان بأنّ الأرض التي صبرت ستزهر من جديد وأنّ الفرج آتٍ بإذن الله مهما طال الانتظار.
اللهم ارحم شهداءنا الأبرار…
واشفِ جرحانا…
واحفظ أهلنا وبلداتنا وجنوبنا العزيز…
وأعد كل نازح إلى بيته سالمًا عزيزًا.
السلام على الحسين…
وعلى علي بن الحسين…
وعلى أولاد الحسين…
وعلى أصحاب الحسين.
وسلامٌ على كل من عاد فحمل نعمة العودة بشكرٍ ووفاء…
وسلامٌ على كل من لا يزال ينتظر العودة بصبرٍ وأمل…
وسلامٌ على الشهداء الذين سبقونا إلى الله وبقيت أرواحهم حارسةً للأرض والكرامة…
وسلامٌ على الحسين…
يوم استُشهد مظلومًا…
ويوم بقي صوته حيًّا في وجدان الأحرار إلى قيام يوم الدين.
أخوكم المحامي وسيم منيف قليط