لم يمضِ أسبوعان على عودة أهالي صور ومنطقتها من حربٍ خطفت أعزّ أبناءهم، ودمّرت بيوتهم، وسرقت أرزاقهم وأحلامهم، حتى عادت الحياة لتكشف وجهاً آخر من المأساة. وكأن قدر هؤلاء الناس أن يعيشوا دائماً بين فكي وحشين: عـ/ـدوّ خارجي لا يعرف الرحمة، وعـ/دوّ داخلي لا يقلّ عنه خطراً وإجراماً.
حادثتان خطيرتان شهدتهما المنطقة خلال ساعات قليلة تختصران حجم الانهيار:
الأولى، إطلاق قذيفة *B7* على منزل في برج الشمالي، في اعتداء خطير خلف أضراراً جسيمة وحالةً من الرعب والهلع بين الأهالي الذين لم ينتهوا بعد من دفن شـhـدائهم، ولا من انتشال ما تبقّى من بيوتهم وحياتهم من تحت الركام.
أما الثانية، فهي استمرار إحراق النفايات في محيط مفرق العباسية، حيث تتحول سحب الدخان السامة إلى غيمة سوداء تتسلل عبر النوافذ المحطمة بفعل الحرب، لتخنق الناس داخل منازلهم، وتزرع الأمراض في صدور الأطفال وكبار السن، في جريمة بيئية وصحية لا تقل خطورة عن أي اعتداء آخر.
مافيات للنفايات... ومافيات للمولدات الكهربائية، ومافيات للمراهنات... والخوات... والربا... والقمار... وغيرها من شبكات الفساد التي تنهش المجتمع بلا رادع، وعندما يُسأل أصحاب النفوذ، يرمون المسؤولية على الدولة، وعندما تُسأل الدولة، تشير إلى الغطاء السياسي الذي يحمي هؤلاء.
وفي النهاية، لا يدفع الثمن إلا المواطن الشريف.
هو الضحية في الحرب... وهو الضحية في السلم.
يُسلب أمنه، وتُهدَّد صحته، وتُستباح كرامته، ويُنهب رزقه، ويُسرق مستقبل أولاده.
فإلى متى سنبقى رهائن للفوضى، والفساد، والإفلات من العقاب؟
" هيثم شعبان"