حين كان يصوّر كل حجر في صور... لم يكن كثيرون يدركون أن عدسته تحفظ مدينةً قد تتغيّر ملامحها يوماً

منذ سنوات، بدأ «عميد» مجموعة يا صور، خليل بواب «أبو حسن»، بمبادرة فردية وشغف استثنائي، مشروعاً ضخماً لتوثيق مدينة صور بالصورة والمعلومة.
شارعاً شارعاً... حياً حياً... بيتاً بيتاً وحجراً حجراً.
كان يجوب المدينة في الصباح الباكر وفي المساء، صيفاً وشتاءً، حاملاً كاميرته وملاحقاً أدق التفاصيل، واضعاً أمامه هدفاً واحداً: أن يبقى تراث صور العمراني محفوظاً وموثقاً، مهما فعل الزمن.
كثيرون استغربوا ما كان يفعله «العميد» حينها، وبعضهم لم يدرك أهمية هذا الجهد، لكن «أبو حسن» كان يرى أبعد... كان يدرك أن هذه الصور لن تكون مجرد أرشيف، بل قد يأتي يوم تصبح فيه ذاكرة مدينة كاملة.
وجاء ذلك اليوم للأسف...
أتت حرب الـ 2024، ثم حرب الـ 2026، ونالت صور نصيباً مؤلماً من القصف والدمار. تغيّرت معالم، واختفت بيوت وأبنية، وطال الخراب أحياءً وأماكن كانت جزءاً من ذاكرة الصوريين وحياتهم اليومية.
وهنا ظهرت القيمة الحقيقية لذلك المشروع الذي عمل عليه «العميد» بصمت طوال سنوات.
ما هُدم كان قد صوّره...
ما اختفى كان قد وثّقه...
وما غاب عن شوارع صور بقي محفوظاً في أرشيفها.
بالصورة والمعلومة والدراسة والتفاصيل، تحولت آلاف الصور التي التقطها إلى شاهد على ما كانت عليه المدينة قبل الدمار، ومرجع يوثّق جزءاً مهماً من تاريخها العمراني والتراثي.
واليوم، نضع في مجموعة يا صور الإعلامية والاجتماعية اللمسات الأخيرة على ملف توثيقي شامل للأضرار التي لحقت بمدينة صور خلال الحربين الماضيتين، يتضمن المباني والبيوت التراثية والمعالم الأثرية والأحياء التي طالها القصف والتدمير، موثقة بما كانت عليه وما أصابها.
إنه ملف كبير ومتكامل، سيصبح قريباً بين أيدي الجميع، بالتوازي مع إطلاق موقع إلكتروني خاص به يضم المعلومات والصور والمواد التوثيقية.
كما سيتم تسليم الملف إلى الجهات الرسمية اللبنانية المختصة والهيئات الدولية المعنية، فيما نعمل على دراسة كلفة طباعته في كتاب توثيقي يبقى للأجيال، حتى لا تضيع ذاكرة صور، ولا تختفي معالمها مرتين: مرة تحت الركام، ومرة من الذاكرة.
شكراً «للعميد» أبو حسن على سنوات من الصبر والشغف والعمل بصمت.
وشكراً للزميل رامي أمين عين مدينة صور في اصعب اوقاتها، ولكل الزملاء الذين ساهموا في إنجاز هذا المشروع التوثيقي الكبير.
لأن ما هدمته الحرب يمكن أن يُعاد بناؤه...
أما الذاكرة، فإن ضاعت، فلا شيء يعيدها.