كتبت الإعلامية وفاء بيضون
شكّل إقرار «قانون الإعلام» بفقراته المنقّحة في مجلس النواب ثورةً إعلاميةً دقّت من خلالها نقابتا الصحافة والمحررين ناقوس الخطر إزاء قانون وصفته الأوساط الإعلامية بالمسار الذي قد يؤدي إلى إعدام حرية الرأي، وتكبيل الأقلام وكمّ الأفواه بطريقة مواربة أرادتها السلطة اللبنانية.
ويأتي إقرار القانون وسط متغيرات دولية وإقليمية باتت تستوجب مواكبتها بنصوص إعلامية جديدة ومعدّلة، تبعًا لمخرجات المتغيرات الدولية والتحولات المتسارعة في المنطقة.
وأكدت نقابتا الصحافة والمحررين، إلى جانب النخب الثقافية والفكرية والإعلامية، رفضها المطلق لما يعتري القانون من شوائب من شأنها ضرب الصيغة الديمقراطية التي يتمتع بها لبنان، ومنها مساحة الحريات الإعلامية، ضمن المسؤوليات التي يرتبها الدستور اللبناني.
فبعد أكثر من خمسة عشر عامًا من النقاشات حول اقتراح «قانون الإعلام» في لبنان، والذي وصل إلى مرحلة يُفترض معها أن يجيب عن سؤال قد يبدو عابرًا في شكله، لكنه بالغ الصعوبة والتعقيد في تفسير مضمونه، وهو: هل تسعى الدولة إلى إنتاج قانون ينظّم الإعلام، علمًا أنه قائم بحد ذاته من خلال التشريعات القانونية والدستورية؟ أم أن المطلوب قانون يستشرف إعلامًا مرتبطًا بسياقه، وبما تشهده البلاد والمنطقة من تحولات جيوسياسية؟
من هنا، تطرح الأوساط المتابعة جملة من التساؤلات؛ فالقانون القائم الذي يحكم القطاع يعود في جوهره إلى مرحلة كان فيها العمل الصحافي يرتكز على الصحيفة الورقية، فيما كانت الصحيفة والإذاعة والتلفزيون وسائط منفصلة، وكان الحد الفاصل بين الصحافي والجمهور واضحًا إلى حدّ كبير.
أما اليوم، فقد اختفت معظم هذه الحدود. فالخبر قد يبدأ من هاتف شخص عادي، وينتشر خلال دقائق عبر منصة رقمية، ثم تتلقفه مؤسسة إعلامية وتعيد إنتاجه، قبل أن يقرر محرّك البحث أو خوارزمية المنصة مدى وصوله إلى الجمهور المستهدف وغاياته الاستراتيجية.
صحيح أنه لا يجوز إنكار ما يتضمنه اقتراح القانون، ولا سيما في المادة 104 المثيرة للجدل، من عناصر إصلاحية مهمة؛ إذ يذهب الاقتراح بوضوح إلى توسيع مفهوم الإعلام ليشمل النشاط الإعلامي ووسائل النشر والتوزيع والمؤسسات العاملة عبر الوسائط الإلكترونية، ويكرّس في مقدمته مجموعة من الأهداف المرتبطة بحرية التعبير والتعددية الإعلامية وحق الجمهور في المعرفة ومنع الاحتكار وتشجيع المنافسة.
كما يتضمن ضمانات مهنية لافتة، من بينها حماية الاستقلال التحريري، وعدم إجبار الصحافي على التوقيع على مادة لم يشارك في إعداد مضمونها أو لم يوافق عليه، وحماية حقه في رفض المشاركة في عمل يتعارض مع ضميره المهني أو قواعد المهنة.
وهي ضمانات تكتسب أهمية خاصة، على الرغم من أن الكثير من المؤسسات الإعلامية تمارس ضغوطًا مختلفة على الصحافيين، بما فيها الترهيب الفكري والضغط المهني والتهديد بفقدان العمل، من دون توفير أي حماية فعلية للصحافي.
إلا أن الخطير في القانون هو إدخال فقرة ثانية تعاقب على «اختلاق الأضاليل» بالحبس، وهو ما يغيّر طبيعة المادة بصورة جوهرية. فهنا لم يعد المعيار هو التحريض الذي يستوفي عناصر محددة، بل أصبحت مفاهيم الحقيقة والكذب والضرر أو الأذى قابلة لأن تستدعي تدخلًا جزائيًا مباشرًا، من دون العودة إلى محكمة المطبوعات التي تختص بالنظر في القضايا المرتبطة بالنشر وفق الأطر القانونية المرعية.
وهذا ما فسرته أوساط إعلامية بأنه فقرة مطّاطة قابلة للتأويل، معتبرةً أن النص يعيد تجريم النشر بعبارات فضفاضة، ويقوّض الفلسفة الإصلاحية التي يفترض أن تنقل الجزء الأكبر من نزاعات النشر إلى إطار المسؤولية المدنية، بدل التوسع في العقوبات الجزائية.
وهنا تكمن المفارقة في المشروع، بدءًا من السؤال عن الجهة السياسية التي دفعت بالاقتراح إلى الهيئة العامة، وصولًا إلى البحث في كيفية تقاطع هذا القانون مع تطورات المنطقة التي يلعب فيها الإعلام دورًا ترويجيًا مؤثرًا في إعادة تموضعها، بما يخدم المرحلة المقبلة وما تحمله من مشاريع سياسية، تُدفع بالقوة العسكرية تارةً وبالدبلوماسية طورًا آخر.
فهل يمثّل "قانون الإعلام" الجديد إنصافًا للسلطة الرابعة، عبر تحديث التشريعات الناظمة للعمل الإعلامي وحماية الحريات المهنية؟ أم يتحول، في بعض مواده، إلى أداة لتقييدها وإسقاط دورها الرقابي؟
وبالتالي، هل نكون أمام قانون ينظّم حرية الصحافة ويحميها، أم أمام صيغة قد تقود، عمليًا، إلى إعدامٍ تدريجي لحرية الإعلام في لبنان؟