السبت 19 أيلول 2026 الموافق 08 ربيع الثاني 1448
آخر الأخبار
ياصور

لم تعد الحرب في الشرق الأوسط مجرد مواجهة عسكرية لها بداية ونهاية واضحتان. ما يجري اليوم يبدو أقرب إلى صراع على شكل المنطقة نفسها، وعلى القواعد التي ستحدد علاقاتها وأمنها وموازين القوى فيها خلال السنوات المقبلة.

فهل نحن أمام حرب انتهت، أم أمام بداية مرحلة جديدة في الصراع على شكل الشرق الأوسط؟

قد تكون طهران تعرضت لضربات وخسائر كبيرة، وقد دفعت بنيتها العسكرية والاقتصادية أثمانًا باهظة، لكن اختزال المشهد بالقول إن إيران خرجت ضعيفة من المواجهة سيكون قراءة ناقصة. فالقوة في الشرق الأوسط لا تُقاس فقط بعدد الطائرات والصواريخ والمنشآت التي يمكن تدميرها، وإنما أيضًا بالقدرة على التأثير في مسار الأحداث بعد انتهاء القصف، وهنا تحديدًا تكمن أهمية إيران.

فإيران ليست دولة يمكن عزلها عن محيطها ثم التعامل مع المنطقة وكأن شيئًا لم يكن. موقعها الجغرافي، حدودها مع الخليج، علاقتها بالعراق واليمن، حضورها في ملفات المنطقة، وقدرتها على التأثير في أمن الطاقة والملاحة، كلها تجعلها جزءًا أساسيًا من أي معادلة أمنية جديدة.

حتى مضيق هرمز، الذي عاد إلى واجهة المشهد، يوضح حجم هذه المعادلة، فالمضيق ليس مجرد ممر بحري، بل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، وأي اضطراب فيه ينعكس على الخليج والأسواق العالمية. لذلك يمكن أن تتغير أدوات النفوذ حوله، لكن من الصعب تصور ترتيبات أمنية جديدة في الخليج تتجاهل إيران.

وهنا نصل إلى إحدى أهم نتائج الحرب فالمعركة لم تختبر إيران وحدها، بل اختبرت أيضًا منظومة الأمن في الخليج.

على مدى عقود، بنت دول الخليج جزءًا أساسيًا من حساباتها الأمنية على الوجود الأميركي. وترسخ هذا الدور بشكل كبير منذ حرب الخليج عامي 1990 و1991، عندما حشدت الولايات المتحدة قوة عسكرية ضخمة للدفاع عن السعودية ومواجهة العراق، لكن المشهد اليوم مختلف.

فالحرب الأخيرة أعادت طرح سؤال أساسي حول قدرة الولايات المتحدة على حماية كل المصالح والمنشآت الحيوية في الخليج في حال اندلاع مواجهة إقليمية واسعة. وهذا لا يعني أن واشنطن فقدت موقعها أو أن دول الخليج ستتخلى عنها، لكنه يعني أن حسابات الأمن الإقليمي أصبحت أكثر تعقيدًا.

فإذا كانت الولايات المتحدة لا تزال الضامن الأمني الأبرز للخليج، فهل ستبقى دول المنطقة مستعدة للاعتماد عليها بالطريقة نفسها؟

ربما يكون الجواب في الاتجاه الذي اتخذته المنطقة خلال السنوات الأخيرة وهو تعدد الشراكات.

دول الخليج تستطيع الحفاظ على علاقاتها الأمنية مع واشنطن، وفي الوقت نفسه توسيع علاقاتها الاقتصادية مع الصين، والحفاظ على قنوات سياسية مع موسكو، وفتح مسارات للحوار مع خصومها الإقليميين.

وهذا لا يعني انتقال المنطقة من أميركا إلى الصين أو روسيا، بل ربما يعني شيئًا أكثر تعقيدًا المتمثل في  نهاية فكرة الطرف الواحد الذي يمتلك مفاتيح المنطقة كلها.

الصين، من جهتها، تحتاج إلى الخليج واستقرار الطاقة والتجارة، وفي الوقت نفسه تحافظ على علاقات مهمة مع إيران. ولذلك تبدو بكين أكثر اهتمامًا بتثبيت حضورها الاقتصادي والدبلوماسي من الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة.

أما روسيا، فتتعامل مع الشرق الأوسط من زاوية أوسع، باعتباره جزءًا من صراع دولي على النفوذ وتوازنات النظام العالمي.

وفي تحليل حديث للمجلس الروسي للشؤون الدولية، اعتبر إيفان تيموفييف أن إيران لا تزال خصمًا جديًا للولايات المتحدة، فيما يضع ديمتري ترينين الحرب في إطار تحول أوسع في النظام الدولي وتراجع قدرة القوة الواحدة على إدارة الملفات العالمية بالطريقة التي كانت تفعلها سابقًا.

لكن من الخطأ اختزال المشهد بالقول إن روسيا أو الصين ستأخذان مكان الولايات المتحدة.

الولايات المتحدة لا تزال القوة العسكرية والأمنية الأبرز في العالم، وروسيا تمتلك أدوات سياسية وعسكرية مهمة، بينما تواصل الصين توسيع نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي. وفي المقابل، تحاول دول المنطقة نفسها زيادة هامش المناورة بدل الارتهان الكامل لقوة واحدة.

أما إيران، فستحاول الحفاظ على موقعها وإعادة بناء أوراق قوتها.

والسؤال الأهم هنا يتمحور حول ماذا بقي لإيران من أدوات التأثير، وكيف ستستخدمها في المرحلة المقبلة؟

فحتى بعد الضربات التي تلقتها، تبقى إيران دولة كبيرة ذات موقع جغرافي استراتيجي، وحدود مباشرة مع الخليج، وقدرة على التأثير في ملفات إقليمية متعددة. ولهذا فإن أي ترتيبات جديدة تتعلق بأمن الخليج أو الملاحة أو الطاقة ستجد العامل الإيراني حاضرًا، سواء أرادت الأطراف الأخرى ذلك أم لا، وهنا تصبح المعركة أبعد من الصواريخ.

المواجهة العسكرية قد تغير مواقع القوة، لكنها لا تحدد وحدها شكل النظام الإقليمي. ما سيحدد ذلك هو ما يحدث بعد انتهاء القصف، من يعيد بناء قدراته؟ من يحافظ على تحالفاته؟ من يستطيع حماية مصالحه؟ ومن يمتلك القدرة على الجلوس إلى طاولة المفاوضات والتأثير في نتائجها؟

ولبنان سيكون أحد الأماكن الحساسة في هذه المرحلة.

فلبنان لا يملك وزن إيران أو إسرائيل أو الولايات المتحدة، لكنه يقع في نقطة تتقاطع فيها هذه الملفات. وأي تغير في العلاقة بين طهران وواشنطن، أو بين إيران وإسرائيل، أو في موقع حزب الله داخل المعادلة الإقليمية، يمكن أن ينعكس مباشرة على الداخل اللبناني.

لكن مستقبل لبنان لن يُكتب في طهران أو واشنطن وحدهما.

فلبنان لديه تعقيداته الداخلية، وتوازناته السياسية والطائفية، وأزماته الاقتصادية والمؤسساتية، ومصالح عربية ودولية مختلفة. وبالتالي فإن تأثير الخارج يبقى مهمًا، لكن مستقبل الدولة اللبنانية يرتبط أيضًا بقدرتها على بناء قرارها ومؤسساتها وحماية مصالحها، وهذا ينطبق على المنطقة بأكملها.

فالشرق الأوسط ليس رقعة شطرنج تتحرك عليها القوى الكبرى وحدها. الدول الإقليمية نفسها أصبحت أكثر قدرة على المناورة، وإيران واحدة من أهم هذه القوى.

وقد يكون التحول الحقيقي الذي كشفته الحرب أن المنطقة لا تتجه ببساطة من النفوذ الأميركي إلى النفوذ الروسي أو الصيني، بل نحو مرحلة تتعدد فيها الشراكات وتتداخل فيها المصالح فواشنطن ستسعى إلى الحفاظ على موقعها وموسكو ستبحث عن تثبيت نفوذها، ايضاً بكين ستواصل توسيع حضورها الاقتصادي والدبلوماسي.

دول الخليج ستبحث عن أكبر قدر ممكن من هامش المناورة، وإيران ستسعى إلى الحفاظ على موقعها وإعادة بناء أوراق قوتها، أما دول مثل لبنان وسوريا والعراق واليمن، فستبقى أمام الاختبار الأصعب، هل تستطيع أن تتحول من إلى دول تمتلك قرارها ومصالحها الخاصة ورأي موحد ؟

الحرب قد تنتهي في الميدان، لكن الصراع الحقيقي يبدأ عندما يجلس الجميع حول الطاولة لكتابة قواعد المرحلة المقبلة.

وعندما تصمت المدافع، لن يكون السؤال فقط من أطلق النار أكثر، بل من بقي قادرًا على التأثير في قواعد اللعبة الجديدة؟

تم نسخ الرابط