لبنان لجميع أبنائه، والأرض التي تجمعهم لا يجوز أن تتحوّل إلى حدود تفصل بينهم.
حين تُختبَر فكرة الوطن
ليست الأوطان مجرّد حدود مرسومة على الخرائط، ولا كيانات تستمرّ لأنّ أبناءها يتشاركون الأرض نفسها؛ الأوطان الحقيقية هي التي يشعر فيها كلّ مواطن بأنّه ينتمي إليها من دون خوف، وأنّ كرامته وحقوقه لا تتوقّفان على اسمه أو طائفته أو المنطقة التي يريد أن يعيش فيها. وفي لبنان، حيث يشكّل التنوّع جزءًا من تاريخه وتركيبته الاجتماعية، تصبح حماية الاستقرار مسؤولية وطنية تتجاوز الحسابات الضيّقة والانقسامات السياسية. فليس المطلوب أن يتخلّى اللبنانيون عن خصوصياتهم، بل أن يدركوا أنّ اختلافهم لا يُسقط وحدتهم، وأنّ الانتماءات المتعدّدة لا يمكن أن تكون بديلًا عن المواطنة المتساوية. ومن هنا، فإنّ كلّ موقف يمسّ هذا المبدأ يستحقّ نقاشًا جادًا، لأنّ مستقبل البلاد لا يتحدّد فقط بقدرة مؤسساتها على إدارة الأزمات، بل أيضًا بمدى استعداد أبنائها للدفاع عن فكرة الوطن الواحد.
هل أصبح الانتماء الطائفي عائقًا أمام حقّ اللبناني في التملّك؟
هل يُعقل أن يُرفض بيع عقار لمواطن لبناني لمجرّد انتمائه الطائفي، إذا ثبت أنّ هذا الانتماء هو السبب الحقيقي وراء الرفض؟ كيف يمكن أن نتحدّث عن وطن واحد إذا أصبح المواطن مضطرًا إلى التساؤل عمّا إذا كانت هويّته مقبولة في منطقة لبنانية أخرى؟ إنّ العقار ليس مجرّد مساحة من الأرض، بل قد يكون منزلًا لعائلة، أو ثمرة سنوات من العمل، أو استثمارًا يطمح صاحبه من خلاله إلى بناء مستقبل أفضل. ومن حقّ الملكية والتصرّف بها أن يُمارسا ضمن القوانين المرعية، كما أنّ لكلّ معاملة ظروفها التي ينبغي التحقّق منها. فالمواطنة تفقد معناها عندما يُعامَل الإنسان على أساس انتمائه بدلًا من حقوقه، ويصبح القانون مطالبًا بأن يكون المرجع الذي يحسم النزاعات ويحمي المساواة.
الطائفية لا ترسم الحدود على الخرائط فقط
قد لا تحتاج الانقسامات إلى جدران إسمنتية كي تفصل بين الناس؛ يكفي أحيانًا أن تتسلّل إلى العقول فكرة أنّ هذه المنطقة لأبنائها وحدهم، وأنّ القادم من بيئة مختلفة يمثّل تهديدًا لمجرّد اختلافه. وهكذا تتحوّل الجغرافيا تدريجيًا إلى متاريس نفسية، ويصبح الانتماء الطائفي معيارًا للقبول والرفض، بدلًا من أن يبقى اختلافًا اجتماعيًا ودينيًا ضمن وطن مشترك. والخطر في هذه العقلية أنّها لا تسيء إلى فرد بعينه فحسب، بل تضعف الثقة بين المواطنين، وتحوّل التنوّع من مصدر غنى إلى سبب للانقسام. إنّ احترام خصوصية المناطق لا يعني إغلاقها أمام اللبنانيين، وحماية الاستقرار لا تعني تكريس الخوف من الآخر. فالمجتمعات الواثقة من نفسها لا تحتاج إلى إلغاء المختلف كي تحافظ على هويّتها، بل إلى دولة عادلة تحمي الحقوق وتضمن احترام القانون.
البلد لم يفلت بعد… لكنّ الاستقرار لا يحمي نفسه بنفسه
يُخطئ مَن يعتقد أنّ الأمور أصبحت فلتانة، وأنّ لبنان فقد كلّ قدرة على حماية نفسه من الانقسام. فالبلد لم يفلت بعد، ما دام هناك مَن يتمسّك بالعقل والحوار، ويرفض تحويل الخلاف إلى عداوة، ويؤمن بأنّ القانون أقوى من العصبيات. لكنّ هذه الحقيقة لا ينبغي أن تتحوّل إلى ذريعة للاطمئنان المفرط أو تجاهل المؤشرات المقلقة. فالاستقرار ليس حالة دائمة تُمنح للبلاد إلى الأبد، بل مسؤولية تتطلّب اليقظة والحكمة والقدرة على معالجة المشكلات قبل تفاقمها. وعندما تظهر ممارسات تثير الشكوك حول المساواة أو تهدّد السلم الأهلي، فإنّ التعامل المسؤول معها أفضل من الصمت، وأجدى من المبالغة والتهويل. المطلوب ليس نشر الخوف، بل منع أسبابه؛ وليس تصوير المجتمع على حافة الانهيار، بل حماية ما تبقّى من ثقة بين أبنائه. فالبلد الذي يواجه مشكلاته بوضوح وعدالة أقوى من بلد ينكرها حتى تتفاقم.
لا يجوز أن يتحوّل الخوف إلى مبرّر للإلغاء
لا يمكن الدفاع عن الاستقرار من خلال اتهام جماعة كاملة، كما لا يمكن حماية طائفة عبر الانتقاص من حقوق طائفة أخرى. إنّ التعميم يظلم الأبرياء، ويغذّي الانقسامات التي يُفترض أن نواجهها، فيما تمنح العدالة كلّ فرد حقّه في أن يُحاسَب على أفعاله، لا على هويّته. ومن هنا، تقع على القيادات السياسية والاجتماعية والدينية مسؤولية مضاعفة في هذه المرحلة: تهدئة الخطاب، ورفض التحريض، وتجنّب تحويل الحوادث الفردية إلى معارك جماعية. كما تقع على الدولة مسؤولية ضمان المساواة، والتحقّق من الوقائع، ومحاسبة المخالفين وفق القانون. إنّ حماية السلم الأهلي لا تعني السكوت عن الخطأ، بل معالجته من دون ظلم أو انتقام؛ ولا تعني إرضاء الجميع على حساب الحقوق، بل تطبيق معيار واحد على الجميع. فالدولة التي تنصف مواطنيها لا تحتاج إلى موازين طائفية كي تثبت شرعيتها، بل تستمدّ قوتها من ثقة الناس بعدالتها.
الدولة وحدها تستطيع أن تجعل المواطنة حقيقة
لا يكفي أن نردّد شعارات الوحدة والعيش المشترك إذا لم تتحوّل إلى ممارسة يومية تحمي الإنسان في منزله وعمله ومعاملاته. فالمواطنة تحتاج إلى مؤسسات فاعلة، وقضاء مستقلّ، وقوانين تُطبَّق على الجميع، وخطاب سياسي يضع مصلحة البلاد فوق الحسابات الشخصية . وقد أكّدت مقدّمة الدستور اللبناني وحدة الأرض لجميع أبنائه وحقّ اللبناني في الإقامة في أيّ جزء منها، كما كرّست المادة السابعة مبدأ المساواة أمام القانون. وهذه المبادئ ليست عبارات رمزية، بل أساس يجب أن يُسترشد به في حماية الحقوق ومعالجة أيّ نزاع. وفي الوقت نفسه، ينبغي ألّا يتحوّل كلّ خلاف إلى اتهام طائفي، بل أن تُفحَص الوقائع وتُحدَّد المسؤوليات وفق الأصول. فالقانون ليس أداة في يد فريق ضدّ آخر، بل ضمانة لجميع اللبنانيين. وكلّما شعر المواطن بأنّ حقوقه محميّة بمؤسسات الدولة، تراجعت حاجته إلى الاحتماء بالعصبيات، وتعزّز انتماؤه إلى وطنه.
لبنان وطنٌ لا يحقّ لأحد أن يحتكره
في النهاية، السؤال ليس فقط كيف نحمي الاستقرار اليوم، بل أيّ لبنان نريد أن نتركه للأجيال المقبلة: وطنًا تتقدّم فيه الطائفة على المواطنة، أم دولة يشعر فيها كلّ لبناني بأنّه شريك كامل في أرضها ومستقبلها؟ إنّ الإجابة تبدأ من موقف واضح لا يحتمل الالتباس: لا يجوز أن يكون الانتماء الطائفي سببًا للإلغاء ، ولا أن تتحوّل المخاوف إلى مبرّر للتمييز، ولا أن تصبح المناطق اللبنانية حدودًا نفسية بين أبناء الدولة الواحدة. لبنان ليس ملكًا لطائفة، ولا امتيازًا تحتكره جماعة، ولا أرضًا يحدّد أهلها هوية من يحقّ له الانتماء إليها. إنّه وطن لجميع أبنائه، وحمايته مسؤولية مشتركة لا يجوز التنصّل منها. فالبلد لم يفلت بعد، لكنّ الحفاظ عليه يبدأ من رفض كلّ ما يُضعف المواطنة، ومن الإيمان بأنّ كرامة اللبناني لا تتجزّأ، وأنّ حقّه في وطنه لا يُقاس بطائفته. فحين يكون القانون فوق الجميع، يصبح الاختلاف مصدر قوّة؛ وحين تكون المواطنة أساس العلاقة بين الناس، يصبح الاستقرار مشروعًا وطنيًا قابلًا للحياة، لا مجرّد شعار نرفعه كلّما خفنا على بلدنا.