أيْقَنَ أنَّ الرجال لا يُقاسون بما يملكون ولا بما يقولون، بل بما يحتملون في صمت، وبما يفعلون حين يضيق المقام. وأن من فهم روح الناس لم يحتج إلى صوتٍ يرفعه ليُسمَع. وأن الأزمات أبوابٌ لم يحن فتحها بعد، ومن أحسن الظنّ بالله لم يضِق به طريق.
لم يكن مجردَ عابرٍ في دروب الحياة، بل كان صرحاً من السكينة، وروحاً تُعبِّد طريقها بالصدق والثبات. عاش رفيقَ الصفحِ عن زَلاّتِ الآخرين، ثقيلَ الحضورِ بحكمته ومواقفه؛ لم تجرفه تيارات الصخب، ولم تغره أضواء الزيف، بل آثر الصمتَ الناطق بالمعنى، والعملَ الذي يسبق القول.
تسامت نظرتُهُ للحياة فوق مظاهرها، يرى في العلم حياةً، وفي العطاء غايةً لا تعوض. إن خاصمَ سامح، وإن أعطى أجزَل، وإن سُئل أجاب بما يروي العطش وينير البصيرة. رجلٌ كُتِبت ملامحه بماء الوفاء، وطاب ذكره في كل موقفٍ ينبض بالنقاء.
رأى أن السنديان لا يثبت بعلوّ فرعه، بل بعمق جذره، وأن للناس وجوهاً شتى، وأن الثابت من يبقى كما هو في الرخاء والشدّة.
وفي كنفِ بيته، كما بين الناس، لم تكن الرجولة سلطةً، بل رحمةً تسبق الأمر. يقدّم أهله على نفسه، ويجعل لأمّ البيت عنده مقاماً لا يُراجَع، ويقف من أبنائه وبناته على مسافة واحدة من الحب والإنصاف.
على أن البيت عنده لم يكن جدراناً وسقفاً فحسب؛ كان الوطن كله بيتاً كبيراً، والجنوب غرفته الأولى وقلبه الذي لم يغادره يوماً، وبقيت العباسية في روحه الحكاية الأقرب والنبض الذي لا يهدأ. حمل ترابها في نبرة صوته، وكان يقول: "إن من نسي أرضه ضاع منه اسمه". كرامةٌ لا تُساوَم، وكلمةٌ تُغني عن الوثيقة، وبابٌ يُفتح للضيف قبل أن يُسأل من هو، وأرضٌ تُسقى بالتعب فتُنبت الرجال. إذا ذُكر الجنوب، سكتت يداه ولانت ملامحه هيبةً وإجلالاً، كأن في الاسم رائحة الطفولة وحنين الأمّ وظلّ شجرةٍ لا تموت.
أكتب إليك يا أبي من بلاد الاغتراب، حيث لا يشبه الأفقُ أفقَ الديار ولا الأذانُ أذانَها، وذكراك مع ذلك ليست تاريخًا يُستحضر، بل أثرٌ يتجدد مع كل نداءٍ للصلوات، ويقينٌ يورق في السكنات والظلمات.
ولأهل الوفاء من الأقارب والأصدقاء والأحبّة الذين استذكروك، شكراً لكم على وفائكم ودعواتكم. وكلّنا في الفقد شركاء، وما منا إلا وله في التراب أحبّة كانوا سنداً وأماناً. اللهم ارحم أمواتنا جميعاً، ونوّر قبورهم، ووسّع مدخلهم، واجمعنا بهم في جنّات النعيم، مع النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وحسُن أولئك رفيقاً.
رحل الجسد، وبقيت البوصلة: تواضعٌ بلا استعراض، وفهمٌ لأرواح الناس، وعليهما أبني دربي، وعلى سُنّة الجنوب في الصبر والوفاء أمضي. وإلى لقاءٍ قريب إن شاء الله، حيث لا فراق بعده.
اخوكم،
الحاج محمد احمد عجمي
