'معاناة' الزواج في لبنان في ظلّ الأزمة... 'مَن لا يتقاضى راتبه بالدولار كيف سيستطيع أن يتزوج؟' !!
تاريخ النشر : 08-04-2021
"كتبت فرح نصّور في النهار

تأمين الحاجات اليومية والطعام بات صعب المنال لكثيرين، فكيف لمَن يودّ أن يُقدم على الزواج في ظلّ هذه الظروف الكارثية، التي تحول دون زواج عدد كبير من الشباب. فتجهيز منزلٍ زوجيّ يتطلّب مبالغ كبيرة، ولو اتُبعت المعايير الوسطى. وفيق وسمر نموذج لثنائي؛ موظف يتقاضى راتبه بالليرة، وزوجته لا تعمل حالياً، تزوجا أخيراً بأتعس ظروفٍ تمرّ على البلد. فكيف انعكست الأزمة على زواجهما؟

كان وفيق قد ادّخر مبلغاً بالليرة اللبنانية من راتبه قبل الأزمة لينفق على زواجه. لكن مع الأزمة، لم يعد لهذا المبلغ أيّ قيمة. استأجر وخطيبته منزلاً منذ شهر أيلول الفائت، وبقي يدفع الإيجار لسبعة شهور دون أن يتمكّن من الانتقال إلى العيش فيه، "فالأوضاع لم تسمح لأن نشتري الأثاث ولا الإلكترونيات بالسرعة المطلوبة بسبب ارتفاع أسعارها الجنونية"، تقول سمر.

وفيق مندوب في شركة للأدوية، وسمر تبيع الأحذية في "إنستغرام"، "لكن حالياً، العمل متوقّف بشكلٍ تامّ ولا أحد يشتري أي شيء" بحسب سمر، مضيفةً أنّه أصبح من الصعب حتى على سمر شراء بضاعة جديدة. فسعر القطعة بالجملة أصبح باهظاً ولن يشتريها أحد على الصفحة. ساعدت سمر وفيق بإعطائه كل ما جنته من هذا العمل في الفترة الماضية، أي ما بين رأسمال وأرباح نحو 5 ملايين ليرة، للتمكّن من شراء أثاث المنزل.

عقد وفيق وسمر قرانهما منذ نحو سنتين، ريثما يجمع وفيق بعض المال تحضيراً للزواج. استأجرا المنزل في أيلول الماضي عندما كان سعر ال#دولار نحو 7000 ليرة. لكن بعد أن استأجراه ونويا تجهيزه، لم تكن تتوقّع سمر هذه الأسعار في السوق، "شعرت بأنّني لن أتمكّن من الزواج ولا من شراء أيّ شيء، فالأسعار جنونية".

استغرق الأمر أكثر من شهرين حتى وجدت سمر أرخص صالون وغرفة نوم وغرفة جلوس. وجالت في أكثر من 20 غاليري في بيروت والجنوب لكي تجد أرخص أثاث وأغراض للمطبخ. "لو لم يساعدنا الأهل في شراء غرفة الجلوس والصالون، وبعض مصاريف الزواج، لما استطعنا أن نتزوج وكان علينا أن نؤجّل زواجنا بعد"، تروي سمر.

كل الغاليريات التي جالا فيها لم ترضَ بالتقسيط كالسابق، وبات التعامل بالدولار حصراً. وإن قبل غاليري الدفع بالليرة، تغيّرت قيمة كلّ دفعة بحسب السعر اليومي، وحتى لو كان الاتفاق على مبلغٍ محدّد. "لم يراعنا أحد لكوننا عروسين مقبلين على الزواج". وبعد هذه الجولة كلّها، اشترت سمر غرفة النوم بـ 16 مليون ليرة، وجميع أغراض المطبخ بنحو 10 ملايين من محالّ في الجنوب، حيث وجدتها أرخص من بيروت. وساهم أهل وفيق بشراء الغسالة والبراد كـ "نقوط" قبل الزواج ليسعدوهما، وأهل سمر "نقّطوها" غرفة الجلوس.

اضطرّ وفيق لأن يستدين أحياناً لدفع ثمن بعض الأشياء، كالستائر، فهي أيضاً بالدولار. وهكذا، اضطُرّ العروسان لأن يؤخّرا زواجهما والانتقال إلى منزلهما، بسبب قدرة وفيق الشرائية التي تراجعت مقابل ارتفاع الأسعار، كما حال جميع اللبنانيين. لكنّه يحمد الله لأنّه لم يتزوّج وهو "مكسور"، وجهد ما بوسعه وأجّل زواجه كي يسدّد ديونه التي استدانها لتجهيز المنزل.

وعندما أراد العروسان الانتقال إلى منزلهما الزوجي، وتخليد هذه الذكرى، استأجرت سمر فستان زفاف بمليون ليرة، و"كان هذا أقلّ سعر في السوق"، ودفعت ثمن المكياج 850 ألف ليرة، واكتفت بجلسة التصوير التي كلّفتها 850 ألف ليرة، من دون إقامة أيّ حفلة أو تجمّع.

ولا ينوي الزوجان الإنجاب في الوقت الراهن، فراتب وفيق لا يكفي لمصروفٍ إضافي. فإيجار منزله بـ 600 ألف ليرة، ويدفع اشتراك الكهرباء 280 ألف ليرة. ومع فاتورة الماء، يصبح مجموع نفقاته الأساسية 990 ألف ليرة شهرياً. وأمام هذا الواقع، لن يستطيع تأمين الحفاضات والحليب للطفل، فوضع وفيق حالياً لا يسمح، وما تبقى من الراتب يُنفَق على "الأكل والشرب فقط".

باتت سمر الآن تسعى إلى التوفير، إذ لا يمكن إنفاق 100 ألف ليرة يومياً على شراء الفاكهة والخضار. لذلك قررت الذهاب مرة كلّ شهر للتموين، وشراء اللازم كلّ يوم بيومه. وخلال فترة الخطبة وحتى الآن بعد زواجهما، لم يعد يخرج العروسان إلى أيّ مكان ليوفّرا المال لتجهيز المنزل. فحتى الآن، ينقص سمر أغراض في المنزل لم تستطع شراءها، كالسجاد وطاولة كيّ الملابس والمكيّفات وطاولة المطبخ والكراسيّ وغيرها، واكتفت بشراء الأساسيات فقط.

وفي إطار التوفير في المصاريف، وجدت سمر أنّ تناول الطعام الجاهز بات أوفر من تحضيره في المنزل، فالموادّ الغذائية والخضار أصبحت باهظة.

وتقول سمر: "تعذّبنا وعانينا كثيراً أنا ووفيق، لكي ننتقل ونجهّز منزلنا. وفعلاً مَن لا يتقاضى راتبه بالدولار، الأفضل ألّا يتزوّج في هذه الظروف". وتعرف سمر كثيرين غير قادرين على الإقدام على الزواج في ظل هذه الظروف، و"لا أنصح أحداً حالياً بذلك، فأنا اختبرت معاناة تجهيز المنزل مع الأسعار النارية... الأمر صعب جداً".

وقبل شهرٍ من الزواج، شعرت سمر بأنّ هناك أشياء كثيرة تنقصها وهي غير قادرة على شرائها، وعاشت هاجس الأسعار والغلاء وأحسّت بأنّها غير قادرة على الزواج وقطعت الأمل"، لكنّها تزوّجت "بما تيسّر".

   

اخر الاخبار