في وقت تسعى فيه المدن الجنوبية للتمسك بأساسيات الحياة وإعادة صياغة هويتها السياحية رغم كل التحديات الامنية ، تأتي المبادرات الفردية وصنّاع المحتوى لتشكل رأس الحربة في تسليط الضوء على مكامن الجمال. وفي هذا السياق، أطلق المؤثر والتيكتوكر اللبناني حسن رعد فيديو ترويجيًا لمدينة "صور"، كبداية لسلسلة جولات تشمل مناطق مختلفة. ورغم أن الفيديو افتُتح بمشاهد تُبرز جمال إحدى حارات المدينة ونظافة أزقتها، إلا أن اللقطات التي تلتها سرعان ما انحرفت عن هذا المسار، لسوء الحظ، ووقعت في فخ التنميط البصري الذي يُجحف بحق واحدة من أعرق مدن المتوسط.
مظاهر طارئة وتشويه للمشهد العام
عقب المقدمة التي أظهرت أزقة الحارة الأنيقة، انتقلت الكاميرا لتركز على "إكسبريسات" القهوة والمقاهي العشوائية عند المدخل الشمالي للمدينة، وهي مظاهر طارئة لا تعبر عن النسيج الاجتماعي ولا الثقافي لأهل صور. وبدلاً من استكمال اللوحة الجمالية، حُصرت الصورة في مظاهر عشوائية تعطي انطباعًا مضللاً عن هوية المنطقة.
تتبع زوايا غير مهيأة: من البسطات إلى ملحمة السوق
توالت المشاهد لتُسقط الفيديو في عثرات إخراجية متتالية:
* الميناء والوجوه المنهكة: بدلاً من نقل حركة الحياة وألوان المراكب، ركزت اللقطات على وجوه يغلب عليها التعب، مما يناقض الفكرة الجوهرية وهي "عودة الحياة".
* عشوائية الأسواق والبسطات: طغت بسطات البائعين المتناثرة على مشاهد السوق الشعبي، إلى جانب التشتت البصري المتأتي من أسلاك الكهرباء المتدلية والأعمدة المتهالكة التي ظهرت أقصر مما هي عليه، ما طمس القيمة المعمارية والتاريخية للمكان.
* اقتطاع زوايا غير موفقة: أظهر الفيديو أحد تجار الأحذية عبر رفوف خارجية بائسة، وكأن السوق يُختزل بهذه البسطة. بل إن الكاميرا داهمت أسواق اللحوم وأخذت مشاهد من "محلات الجزارة" على حين غرة، وفي لحظات لم يكن فيها اللحام أو الملحمة مهيأين لالتقاط مشاهد ترويجية تُبرز النظافة والترتيب.
تغييب غير متعمد لمظاهر الحداثة والجمال
لم يقف الخلل عند حدود ما أظهره الفيديو، بل امتد إلى ما أهمله من مقومات أساسية:
* الشواطئ والمفقودات: أُهملت الشواطئ الرملية الخلابة التي تعج بالسياح، واستُبدلت بلقطات لشواطئ عادية لا ميزة فيها.
* المقاهي والمطاعم: غابت المطاعم والمقاهي الفخمة ذات المستوى العالمي المنتشرة في المدينة، مقابل التركيز على مقاهٍ شعبية قديمة.
* الترميم وسحر الليل: أُهملت أعمال التحسين والتجميل الأخيرة التي شهدتها طرقات المدينة، وخلت المادة الرقمية تماماً من المشاهد الليلية الساحرة لشوارع صور الرئيسية.
صورة نمطية تضر بالسياحة
إن صناعة المحتوى الترويجي تتطلب حسًا فنياً ورؤية إخراجية تتجاوز مجرد التقاط الصور ونشرها. قد تكون نيّة حسن رعد ناصعة ودافعة نحو دعم السياحة، لكن المنتج النهائي -وعلى الرغم من بعض المشاهد المشجعة فيه، ساهم عن غير قصد في تأطير "صور" داخل خانة المدينة الفقيرة والشعبية، وهو ما يضر بجهود أهلها والمؤسسات المحلية التي تكافح لإعادة وضعها على خريطة السياحة الوطنية والعالمية.
المهندس بلال شرقاوي
استاذ جامعي
دراسات عليا في هندسة وتطوير المشاهد الطبيعية