الأحد 28 حزيران 2026 الموافق 13 محرم 1448
آخر الأخبار
ياصور

قبل أن تمسك القلم، كان حرياً بك أن تمشي حافياً على تراب مرجعيون. أن تشرب ماء من بئرٍ في بنت جبيل. أن تجلس عند عتبة بيت في عيتا الشعب. وتصمت، لأن الصمت هناك يتكلم.

أن تقف على شاطئ صور في الفجر حين يخرج الصيادون بقواربهم إلى البحر الذي ورثوه جيلاً عن جيل، البحر الذي اخترع أجدادهم الأبجدية على ضفافه وعلّموا العالم كيف يكتب، وبنوا أسطولاً أرعب روما وأسّس قرطاجة، وأوقفوا الإسكندر الأكبر على عتبة صور سبعة أشهر كاملة لم يجد فيها طريقاً إليها إلا أن يبني جسراً من البر إلى البحر، عجزاً وليس انتصاراً. وهو الذي فتح الدنيا من اليونان إلى الهند يقف على عتبة صور عاجزاً!

وكان يجب أن تمرّ بالنبطية. تلك المدينة التي علّمتنا أن القصف لا يُسكت من آمن بأرضه، فحين ضربها العدو في أقدس لحظاتها يوم عاشوراء، لم تردّ بالنواح بل بالبناء. رفعت مدارسها بين غارة وغارة، وأرسلت أبناءها إلى الفصول بين موجة قصف وأخرى، لأن أهلها عرفوا منذ القدم أن من يبني لا يُهزم.

فاسمح لنا أن نعرّفك، متأخراً، على الناس الذين وقّعت عنهم دون إذنهم.

الجنوبي كائن من نوع آخر. لا تفهمه إن نظرت إليه من بعيد. اقترب منه. هو الذي يزرع أرضه تحت القصف ويعود إليها بعد التهجير كأن شيئاً لم يكن، هم الذين بقوا حين هرب من هرب. هم الذين دفنوا موتاهم بيد واحدة واستمروا بالحراثة بالأخرى. كرمهم أسطورة يعرفها كل من زارهم. يُطعمون الغريب قبل أهل البيت، ويفتحون الأبواب قبل أن يُطرق عليها. طيبتهم ليست ضعفاً، بل هي ثقة من يعرف قيمة نفسه، لا تواضعاً بل لأنه يرى في الضيف امتداداً لكرامته. في قرى الجنوب لا تُسأل عن اسمك قبل أن تُسأل عن جوعك. طيبته لا تُشترى ولا تُستدرج. الجنوبي يعطيك ثقته كاملة أو لا يعطيك شيئاً. وحين يسحبها، لا تعود!

الجنوبي لا يقول “أنا أملك هذه الأرض”، بل يقول “هذه الأرض هي أنا”. فرق شاسع لن تجد له ترجمة في لغة الاتفاقيات. شجاعتهم؟ اسأل التاريخ، لا تسألنا. الجنوب أنجب المقاومين قبل أن تُخترع الشعارات، وصمد حين كانت العواصم تتفاوض على جلده.

الجنوب اللبناني ليس شريطاً حدودياً يُرسم بالمسطرة. هو سلسلة جبال عاملة التي أنجبت العلماء حين كانت بيروت لا تزال قرية. هو سهل الخيام الذي ظل يعطي قمحه وزيتونه حتى حين كانت طائرات العدو الصهيوني تحرقه. هو مرجعيون بقلاعها الرومانية وأزقتها التي تحفظ أسماء لا تجدها في كتب المدارس. هو بنت جبيل، “عاصمة الجنوب”، التي قاومت ولم تنكسر حتى حين سوّاها العدو الصهيوني بالأرض عام 2006 ثم نهض أهلها من تحت الركام وأعادوا البناء بأيديهم، حجراً حجراً، دون أن يطلبوا من أحد إذناً.

هذه الأرض احتلّها الفرنسيون فصمدت. واحتلّها العدو الإسرائيلي فأنجبت مقاومة خرجت من بيوت الفلاحين لا من أكاديميات الحرب. وحين اندحر العدو في الخامس والعشرين من مايو 2000، لم يكن ذلك هدية من أحد. كان ثمناً دفعه أبناء الجنوب من دمهم، ثمناً لا يعرف قيمته من لم يدفن ابناً او اخاً في تلك التلال الشامخة.

في الجمعة الماضية، وُلدت في واشنطن وثيقة عار لا تشمّ رائحة الجنوب ولا تحمل غبار مارون الراس. وُقّعت بأيدٍ ناعمة عن أرض خشنة، وتكلّمت عن السيادة بلغة من لا يعرف معنى السيادة.

سمّوه اتفاقاً إطارياً. الإطار الحقيقي كان ينبغي أن يكون لوحةً تعلّق على جدار التاريخ تحت عنوان واحد: "هنا أثبت من جلس على كرسي السلطة أن أخطر ما على الأرض ليس من يحتلها، بل من يتنازل عنها بابتسامة".

قرّروا مصير صور وبنت جبيل والنبطية والمجدل وفرون وعيتا وقرى هذا الجبل العظيم في غرفة لا يعرف أصحابها كيف ينطقون أسماء هذه القرى. ثلاثة أشخاص وقلم وختم، وغاب عن الطاولة كل من دفع ثمن هذه الأرض.

ايها الرئيس، التاريخ لا يرحم ولا ينسى. وأنت اليوم تسير بخطى نحو صفحة لن تُحسَد عليها. الرؤساء الذين وقّعوا على أرض شعبهم لا تُبنى لهم تماثيل، بل تُكتب عنهم فصول في كتب الخزي تُقرأ في المدارس التي بناها أهل الجنوب بين غارة وغارة.

صور التي أوقفت الإسكندر سبعة أشهر لن تقبل أن تُسلَّم بتوقيع ليلي في واشنطن. والنبطية التي ردّت على قصف عاشوراء بالبناء لا بالهروب لن تنسى من رهن صمودها بجرة قلم. وأهل كفركلا وعيتا الشعب ومارون الذين لم يتركوا بيوتهم حين كانت الدبابات على أبوابهم، لن يجلسوا صامتين حين يرون الوثيقة تهدم ما صمد أمام الحديد.

ما بُني بالدم لا يُهدى بالحبر. وما حُرِّر بالأرواح لا يُسلَّم في غرفة مكيّفة في واشنطن بحضور أشخاص لم تشمّ أيديهم رائحة تراب الجنوب.

والجنوب، الذي لم ينتظر أحداً يوماً، لن ينتظر أحداً غداً.

محمد احمد عجمي
مواطن لبناني جنوبي

تم نسخ الرابط